الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

276

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وقد يقال : إن هذا القول ، أي كونه ليس كلما طلب وجد لا ينافي كونه فيهم عليهم السّلام وأنه ما صعد منذ نزل ، وذلك أنه يمكن أن يكون هذا الروح فيهم ثابتا إلا أنه لا يتوجه إليه ، ولا يستفاد منه لإجماله . وبعبارة أخرى : أن هذا الروح قد يختفي فيهم فلا يستفيدون منه ، وذلك عند توجههم بعالم الملك ، فحينئذ للطافته قد يصير منصرفا عنه في حال التوجه إلى عوالم البشرية . وإليه تشير الأحاديث الواردة في أنهم عليهم السّلام إذا شاؤوا أن يعلموا علموا فراجع الكافي وبصائر الدرجات . وإلى هذا يشير أيضا ما روي عنه صلَّى اللَّه عليه وآله من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله : " إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر اللَّه في كل يوم سبعين مرة ، " أي لأجل أنه يغان على قلبه الشريف ، وبسببه ينصرف قلبا عن هذا النور والروح الإلهي فلا يجده كأن يقول : أتوب إلى اللَّه تعالى ، لكي ينصرف عن الجهات البشرية ويتوجه إلى الجهات الربوبية ، فيظهر فيه ذلك الروح ، وتقدم شرح هذا الأمر . وقد يقال : إن هذا الروح حيث إنه روح مخلوق إلهي أقرب الأشياء إليه تعالى ، فجهته المعنوية قوّية جدّا تحت إرادة اللَّه تعالى واختياره ، بل هو مظهر لإرادته تعالى واختياره ، فحينئذ معنى : أنه ليس كلما طلب وجد ، أنه قد يتوجه الإمام إليه ليعلم منه شيئا فلا يجده ، أي لا يعلم منه شيئا ، إما لانغماره في الجهة الربوبية فلا يمكن الاستفادة منه مع كونه فيهم ، لغلبة التوحيد والحيثية الربوبية الغالبة على الجهات الخلقية مطلقا ، وإما لعدم إرادته تعالى أحيانا للاستفادة منه بأن يحول بين الإمام وبينه بمصلحة ضرورة أنه بعد ما آتاهم اللَّه ذلك النور والروح ، وجعلهم عليهم السّلام مختارين في الاستفادة منه ، لم يخرج هذا الروح عن تحت اختياره تعالى ، بل هو دائما تحت اختياره ، ومن أثره أنه قد لا يجدونه أي قد لا يستفيدون منه ، لأنه تعالى لا يؤيد ذلك . واللَّه تعالى العالم بمراده ومراد أوليائه .